أبو البركات بن الأنباري

40

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين

المبتدأ ؛ لأنه لا ينفكّ عنه ، ورتبته أن لا يقع إلا بعده ، فالابتداء يعمل في الخبر عند وجود المبتدأ ، لا به ، كما أن النار تسخّن الماء بواسطة القدر والحطب ، فالتسخين إنما حصل عند وجودهما ، لا بهما ؛ لأن التسخين إنما حصل بالنار وحدها ، فكذلك هاهنا ، الابتداء وحده هو العامل في الخبر عند وجود المبتدأ ، إلا أنه عامل معه ؛ لأنه اسم ، والأصل في الأسماء أن لا تعمل . وأما من ذهب إلى أن الابتداء يعمل في المبتدأ ، والمبتدأ يعمل في الخبر ، فقالوا : إنما قلنا إن الابتداء يعمل في المبتدأ ، والمبتدأ يعمل في الخبر دون الابتداء ؛ لأن الابتداء عامل معنوي ، والعامل المعنوي ضعيف ؛ فلا يعمل في شيئين كالعامل اللفظي . وهذا أيضا ضعيف ؛ لأنه متى وجب كونه عاملا في المبتدأ وجب أن يعمل في خبره ؛ لأن خبر المبتدأ يتنزل منزلة الوصف ، ألا ترى أن الخبر هو المبتدأ في المعنى ، كقوله [ 24 ] « زيد قائم ، وعمرو ذاهب » أو منزّل منزلته ، كقوله « زيد الشمس حسنا ، وعمرو الأسد شدة » أي يتنزل منزلته ، وكقولهم « أبو يوسف أبو حنيفة » أي يتنزّل منزلته في الفقه ، قال اللّه تعالى : وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ أي تتنزّل منزلتهن في الحرمة والتحريم ؛ فلما كان الخبر هو المبتدأ في المعنى ، أو منزلا منزلته تنزل منزلة الوصف ؛ لأن الوصف في المعنى هو الموصوف . ألا ترى أنك إذا قلت « قام زيد العاقل ، وذهب عمرو الظريف » أن العاقل في المعنى هو زيد ، والظريف في المعنى هو عمرو ؟ ولهذا لما تنزل الخبر منزلة الوصف كان تابعا للمبتدأ في الرفع ؛ كما تتبع الصفة الموصوف ، وكما أن العامل في الوصف هو العامل في الموصوف ، سواء كان العامل قويّا أو ضعيفا ، فكذلك هاهنا . وأما قولهم « إن المبتدأ يعمل في الخبر » فسنذكر فساده في الجواب عن كلمات الكوفيين . أما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم « إنهما يترافعان ؛ لأن كل واحد منهما لا بدّ له من الآخر ولا ينفكّ عنه » قلنا : الجواب عن هذا من وجهين : أحدهما : أن ما ذكرتموه يؤدّي إلى محال ، وذلك لأن العامل سبيله أن يقدّر قبل المعمول ، وإذا قلنا إنهما يترافعان وجب أن يكون كل واحد منهما قبل الآخر ، وذلك محال ، وما يؤدي إلى المحال محال . والوجه الثاني : أن العامل في الشيء ما دام موجودا لا يدخل عليه عامل غيره ؛ لأن عاملا لا يدخل على عامل ، فلما جاز أن يقال : « كان زيد أخاك ، وإن